ومن لطائف ونكات تفسير البيضاوي:
(إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا(12)
(إِذا رَأَتْهُمْ) إِذا كانت بمرأى منهم
كقوله عليه السلام «لا تتراءى ناراهما»
أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم.
(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) هو أقصى ما يمكن أن يرى منه.
(سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) صوت تغيظ، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه، هذا وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر.
وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف.
(لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا(14)
لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد لقوله تعالى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور.
(قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا(15) لَهُمْ فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
كانَتْ لَهُمْ في علم الله أو اللوح، أو لأن ما وعده الله تعالى في تحققه كالواقع.
(جَزاءً) على أعمالهم بالوعد.
(وَمَصِيرًا) ينقلبون إليه، ولا يمنع كونها جزاء لهم أن يتفضل بها على غيرهم برضاهم مع جواز أن يراد بالمتقين من يتقي الكفر والتكذيب لأنهم في مقابلتهم.
(لَهُمْ فِيها ما يَشاءُونَ) ما يشاءونه من النعيم، ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته إذ الظاهر أن الناقص لا يدرك شأو الكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة.