وَقَوْلُهُ: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَقَدَّسَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِـ {ذَلِكَ} الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: خَيْرًا مِمَّا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، هَلَّا أُوتِيتَهُ وَأَنْتَ لِلَّهِ رَسُولٌ ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الَّذِي لَوْ شَاءَ جَعَلَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ مِمَّا قَالُوا، فَقَالَ: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} قَالَ: «مِمَّا قَالُوا , وَتَمَنَّوْا لَكَ، فَيَجْعَلُ لَكَ مَكَانَ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْمَشْي فِي الْأَسْوَاقِ , وَالْتِمَاسُ الْمَعَاشِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا اسْتَعْظَمُوا أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا , وَأَنْ لَا يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ، وَاسْتَنْكَرُوا أَنْ يَمْشِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَهُوَ لِلَّهِ رَسُولٌ.
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُ أَنْ يَكُونَ وَعْدًا بِمَا هُوَ خَيْرُ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ عَظِيمًا، لَا مِمَّا كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ.
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} بَسَاتِينَ تَجْرِي فِي أُصُولِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ.
وَقَوْلُهُ: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا}
يَعْنِي بِالْقُصُورِ: الْبُيُوتَ الْمَبْنِيَّةَ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} مُشَيَّدَةً فِي الدُّنْيَا، كُلُّ هَذَا قَالَتْهُ قُرَيْشٌ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَرَى الْبَيْتَ مِنْ حِجَارَةٍ مَا كَانَ صَغِيرًا قَصْرًا"."