عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ مِنْ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحِهَا مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيُّ قَبْلَكَ وَلَا يُعْطَى مِنْ بَعْدِكَ , وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: «اجْمَعُوهَا لِي فِي الْآخِرَةِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , وَأَنْكَرُوا مَا جِئْتَهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْحَقِّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ , وَتَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ , وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْقِيَامَةِ وَبَعْثِ اللَّهِ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً لِحَشْرِ الْقِيَامَةِ.
{وَأَعْتَدْنَا}
يَقُولُ: وَأَعْدَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِبَعْثِ اللَّهِ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً بَعْدَ فَنَائِهِمْ لَقِيَامِ السَّاعَةِ، نَارًا تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ وَتَتَّقِدُ.
{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}
يَقُولُ: إِذَا رَأَتْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ أَشْخَاصَهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، تَغَيَّظَتْ عَلَيْهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنْ تَغْلِيَ وَتَفُورَ. يُقَالُ: فُلَانٌ تَغَيَّظَ عَلَى فُلَانٍ، وَذَلِكَ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ فَغَلَى صَدْرُهُ مِنَ الْغَضَبِ , عَلَيْهِ وَتَبَيَّنَ فِي كَلَامِهِ. وَزَفِيرًا، وَهُوَ صَوْتُهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا} وَالتَّغَيُّظُ: لَا يُسْمَعُ؟
قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَمِعُوا لَهَا صَوْتَ التَّغَيُّظِ، مِنَ التَّلَهُّبِ وَالتَّوَقُّدِ.