عَنْ فُدَيْكٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَقُولُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنِي جَهَنَّمَ مَقْعَدًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنٍ؟ قَالَ:"أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ اللَّهِ: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} الْآيَةَ"
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَتَنْزَوِي وَيَنْقَبِضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَيَقُولُ لَهَا الرَّحْمَنُ: مَا لَكِ؟ فَتَقُولُ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيرُ مِنِّي فَيَقُولُ: أَرْسِلُوا عَبْدِي وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا الظَّنَّ بِكَ فَيَقُولُ: فَمَا كَانَ ظَنُّكَ؟ فَيَقُولُ: أَنْ تَسَعَنِيَ رَحْمَتُكَ قَالَ: فَيَقُولُ أَرْسِلُوا عَبْدِي وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَتَشْهَقُ إِلَيْهِ النَّارُ شُهُوقَ الْبَغْلَةِ إِلَى الشَّعِيرِ , وَتَزْفَرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى أحَدٌ إِلَّا خَافَ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا أُلْقِيَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالسَّاعَةِ مِنَ النَّارِ مَكَانًا ضَيِّقًا، قَدْ قُرِّنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ؛ {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الثُّبُورِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْوَيْلُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الثُّبُورُ الْهَلَاكُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالثُّبُورُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَصْلُهُ انْصِرَافُ الرَّجُلِ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ مِنْهُ: مَا ثَبَرَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ أَيْ: مَا صَرَفَكَ عَنْهُ.
وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دُعَاءُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِالنَّدَمِ عَلَى انْصِرَافِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا , وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَوْجَبُوا الْعُقُوبَةَ مِنْهُ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: وَا نَدَامَتَاهُ، وَا حَسْرَتَاهُ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ.