[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(القضاء والقدر)
للشيخ/ محمد رشيد رضا
(القضاء والقدر)
م (40) شأن هذه العقيدة
هذه المسألة من توابع البحث في العلم والإرادة وهي الفتنة التي ابتليت بها
الأمم، فوقعوا في بحار الحيرة تدافعهم أمواج الشكوك، ويتلقاهم آذيُّ الشبهات،
(أي: مَوْجُهَا) حتى غرق فيها أكثر الخائضين ونجا الأقلون , ومن عجيب أمرها أن
العامة أعلم بها من أكثر الخاصة , وأن الأميين أقرب إلى اليقين بها من الكاتبين.
وإن شئت فقل: إن الجهل بحقيقتها تابع لسعة العلم بمباحثها فكلما زاد الإنسان نظرًا
فيها؛ زاد عماية عنها لأن الخفاء كما يكون من شدة البعد يكون أيضًا من شدة
القرب ألا ترى أنك إذا وضعت على عينيك صحيفة لا تبصر خطها ولا تراه ولا
تقدر على قراءته وإننا علمنا بالمدارسة والمذاكرة والمناقشة والمناظرة أن ما يعتقده
العلماء فيها هو عين ما يعتقده الجهلاء , ويمتاز الجهلاء بأن نفس اعتقادهم لا
زلزال فيه ولا اضطراب , ولا شبهة تغشاه ولا ارتياب , وأما العلماء فبعد قراءة
الكتب والرسائل وتحرير الحجج والدلائل يقول بعضهم: إن هذه المسألة يجب أن
تؤخذ هكذا بالتسليم أي يجب الرجوع فيها إلى ما عليه العامة , ومنهم من يقول:
إنها لا تنحل إلاّ بكشف الحجاب والارتفاع إلى مقام العارفين بالله تعالى. والمنقول
عن أهل هذا المقام المشهود لهم بالولاية والكشف أن منهم من صرح بأنها لا تنحل
إلا في الآخرة. هذا مجمل أمرها عند المسلمين وما كانت الحيرة فيها عند غيرهم
أقل منها عندهم.
م (41) سبب الخلاف والنهي عن الخوض فيها
لماذا كان شأن هذه العقيدة مخالفًا لسائر العقيدة حتى إن الجاهل أحسن حالاً
فيها من العالم؟ ولماذا كانت سعة العلم فيها من أسباب الجهل بها؟ الجواب عن
هذين السؤالين واحد وهو أنها في نفسها بديهية عوملت معاملة النظريات , والبديهي
كلما زاد البحث فيه؛ بعد عن الإدراك فهو كالشيء بين يديك تتوهمه بعيدًا فتذهب
عنه إلى حيث يقودك الوهم فكلما أوغلت في السير؛ زدت في البعد وصار العناء
في عودتك إليه شديدًا. وإقناعك بأنه وراءك أمرًا بعيدًا , ومن لم يسر هذا السير