يكفيه استلفات النظر ورجع البصر , وهذا هو مرادنا بالجاهل بهذه المسألة وما
أثقلوها به من النظريات والتدقيقات الفلسفية , ولا تفهم منه أن العلم الحقيقي بها
محصور في الجاهلين , فلقد اهتدى إليه كثيرون من العلماء والعارفين , وكان عليه
جماهير الصحابة والتابعين. حتى حدثت بدعة الكلام والخوض في القدر على ما
كان عليه الأمم الأخرى وانفتح على الأمة باب المجادلات النظرية التي كان من
أمرها ما قصصنا عليك بعضه , وهذا هو السر في نهي النبي صلى الله عليه وسلم
عن الخوض في القدر ونهي الصحابة وأكابر الأئمة عنه أيضًا. روى الترمذي من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمرّ وجهه كأنما نُقئ في وجنيته حب
الرمان , فقال:(أبهذا أمرتكم أم بهذا أرسلت أليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين
تنازعوا في هذا الأمر. عزمت عليكم عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه)أي أقسمت
عليكم أو أوجبت عليكم ذلك. وروى ابن ماجه نحوه من حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده. وفي حديث الخطيب وابن عدي(عزمت على أن لا تتكلموا
في القدر)زاد الثاني: (ولا يتكلم في القدر إلا شرار أمتي في آخر الزمان)
وعند الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك نحوه , ولا حاجة مع هذا لسرد
الآثار في النهي عن الخوض في القدر.
م (42) ماهية الخلاف والمختلفون
الخائضون في المسألة فريقان: فريق حاول الوقوف على سرّ الخلق والإيجاد
وكيفية تسخير الله تعالى قدرة الإنسان وإرادته اللتين وهبهما له لإحداث أفعاله فإنهم
استشكلوا وجود خليفة في الأرض يعمل بقدرة تنبعث عن إرادة تسترشد بعلم بحيث
يكون مختارًا في عمله له مشيئة في العمل والترك ولكنه مع هذا غير خارج عن
مشيئة الله تعالى وعلمه كأنهم رأوا أن هذا النوع من الخلق محال لا يدين لقدرة الله
تعالى فاستنكروه أو كأنهم زعموا أنهم اكتنهوا سر الخلق في سائر الأشياء ولذلك لم
يشتبهوا في النبات من نجم وشجر كيف يأخذ كلٌّ من معادن الأرض وموادها ما
يحتاج إليه لنموه وحفظ نوعه على نسب كيماوية مخصوصة يعجز أعظم الكيماويين