والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين تهكمًا بهم، وتحسيرًا لهم على ما فاتهم، أهذه النار التي وصفت لكم خيرًا أو جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد وقد وعدها من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما به أمره أو نهاه. ثم حقق أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} ؛ أي: كانت تلك الجنة لهم جزاء أعمالهم في الدنيا بطاعته، وثوابًا لهم على تقواه، ومرجعًا لهم ينتقلون إليه في الآخرة.
16 -ثم وصف مقدار تنعمهم فيها بقوله: {لَهُمْ} ؛ أي: لأولئك المتقين {فِيهَا} ؛ أي: في جنة الخلد {مَا يَشَاءُونَ} ؛ أي: ما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب ونحو ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فَإِنْ قُلْتَ: قد يشتهي الإنسان شيئًا، وهو لا يحصل في الجنة، كأن يشتهي الولد ونحوه، وليس هو في الجنة؟
قلت: إن الله سبحانه يزيل ذلك الخاطر عن أهل الجنة بل كل واحد من أهل الجنة مشتغل بما هو فيها من اللذات الشاغلة عن الالتفات إلى غيرها.
أو المعنى: لهم فيها ما يشاؤونه من أنواع النعيم واللذات مما يليق بمرتبتهم، فإنهم بحسب نشأتهم لا يريدون درجات من فوقهم، فلا يلزم تساوي مراتب أهل الجنات في كل شيء.
ومن هذا يعلم فساد ما قيل في"شرح الأشباه": بجواز اللواطة في الجنة لجواز أن يريدها أهل الجنة ويشتهيها.
وذلك لأن اللواطة من الخبائث، التي ما تعلقت الحكمة بتحليلها في عصر من الأعصار كالزنى، فكيف يكون ما يخالف الحكمة، مرادًا ومشتهًى في الجنة. فالقول بجوازها ليس إلا من الخباثة.
والحاصل: أن عموم الآية، إنما هو بالنسبة إلى المتعارف، ولذا قال بعضهم: في الآية دليل، على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، ولما لم تكن اللواطة مرادًا في الدنيا للطيبين، فكذا في الآخرة. حالة كونهم {خَالِدِينَ} فيها أبدًا بلا انقطاع ولا زوال. حال من الهاء في لهم، أو من الواو في يشاؤون. قيد بالخلود, لأن من تمام النعيم أن يكون دائمًا، إذ لو انقطع لكان مشوبًا بضرب من الغم. وأنشد في المعنى:
أَشَدُّ الْغَمَّ عِنْدِيْ فِيْ سُرُوْرٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ