قوله تعالى: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين}
عاد الكلام إلى ذكر النعم.
و {مَرَجَ} خَلَّى وخلط وأرسل.
قال مجاهد: أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر.
قال ابن عرفة: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي خلطهما فهما يلتقيان؛ يقال: مرجته إذا خلطته.
ومَرِج الدينُ والأمر اختلط واضطرب؛ ومنه قوله تعالى: {في أَمْرٍ مَّرِيج} [ق: 5] .
ومنه"قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي:"إذا رأيتَ الناس مَرِجت عهودهم وخفّت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا"وشبك بين أصابعه فقلت له: كيف أصنع عند ذلك، جعلني الله فداك! قال:"الزم بيتك واملِك عليك لسانك وخذ بما تعرِف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر العامة"خرجه النسائي وأبو داود وغيرهما."
وقال الأزهريّ: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} خلّى بينهما؛ يقال: مَرَجتُ الدابة إذا خليتها ترعى.
وقال ثعلب: المرج الإجراء؛ فقوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي أجراهما.
وقال الأخفش: يقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل بمعنًى.
{هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي حلو شديد العذوبة.
{وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي فيه ملوحة ومرارة.
وروي (عن) طلحة أنه قرأ:"وَهَذَا مَلِحٌ"بفتح الميم وكسر اللام.
{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي حاجزاً من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه؛ كما قال في سورة الرحمن {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19 20] .
{وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي ستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر.
فالبرزخ الحاجز، والحجر المانع.
وقال الحسن: يعني بحر فارس وبحر الروم.
وقال ابن عباس وابن جبير: يعني بحر السماء وبحر الأرض.
قال ابن عباس: يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه.
{وَحِجْراً مَّحْجُوراً} حراماً محرّماً أن يعذب هذا الملح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالملح.