قال - عليه الرحمة:
{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) }
زيَّنَ السماء الدنيا بمصابيح، وخلَق فيها البروجَ، وبَثَّ فيها الكواكب، وصان عن الفطورِ والتشويش أقطارَها ومناكبَها، وأدار بقدرته أفلاكها، وأدام على ما أراد إمساكها.
وكما أثبت في السماء بروجاً أثبت في سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجاً؛ فبروجُ السماء معدودة وبروج القلب مشهودة.
وبروجُ السماء بيوتُ شمسها وقمرها ونجومها، وبروجُ القلب مطالعُ أنوارها ومشارِقُ شموسها ونجومها. وتلك النجوم هي نجوم القلوب كالعقل والفهم والبصيرة والعلم، وقمرُ القلوبِ المعرفةُ.
قمرُ السماء له نقصان ومحاق، وفي بعض الأحايين هو بَدْرٌ بوصف الكمال، وقمر المعرفة أبداً له إشراق وليس له نقصان أومحاق، ولذا قال قائلهم:
دع الأقمارَ تخبو أو تنير ... لها بَدْرٌ تذلُّ له البدور
فأمّا شمسُ القلوب فهي التوحيد، وشمسُ السماءِ تغرب ولكن شمسَ القلوب لا تغيب ولا تغرب، وفي معناه قالوا:
إن شمسَ النهارِ تغرب بالليل ... وشمسُ القلوب ليست تغيب
ويصحُّ أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل، وشمس القلوب سلطانُها في الضوء والطلوع بالليل أتمُّ.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
الأوقاتُ متجانِسةٌ، وتفضيلُها بعضها على بعضٍ على معنى أنَّ الطاعة في البعض أفضل والثوابُ عليها أكثر. والليلُ خلفَ النهار والنهارُ خلفَ الليلِ، فَمَنْ وقع له في طاعة الليل خَلَلٌ فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جُبْرانه، وإن حصل في طاعة النهار خللٌ فإذا حضر بالليل ففي ذلك إتمامٌ لنقصانه. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 647 - 648}