53 -ورابع الأدلة: ما ذكره بقوله: {وَهُوَ} سبحانه وتعالى الإله {الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} ؛ أي: خلاهما وأرسلهما، وأجراهما في مجاريهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان، ولا يلتبس أحدهما بالآخر.
وجملة قوله: {هَذَا عَذْبٌ} إما مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مرجهما؟ فقيل: هذا عذب، وهذا ملح، أو في محل نصب على الحال من {الْبَحْرَيْنِ} بتقدير القول؛ أي: هو الذي مرج البحرين حال كونهما مقولًا في حقهما: {هَذَا} ؛ أي: أحدهما {عَذْبٌ} ؛ أي: حلو طيب {فُرَاتٌ} ؛ أي: سائغ قاطع للعطش لغاية عذوبته صفة {عَذْبٌ} والتاء فيه أصلية وهذا أي: الآخر {مِلْحٌ} ؛ أي: مرّ {أُجَاجٌ} ؛ أي: زعاق بليغ الملوحة، صفة {مِلْحٌ} ، وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي {مَلِح} بفتح الميم وكسر اللام، وكذا في فاطر {وَجَعَلَ} : عطف على الصلة {بَيْنَهُمَا} ؛ أي: بين البحرين العذب والملح {بَرْزَخًا} ؛ أي: حاجزًا وحائلًا من قدرته سبحانه غير مرئي {وَحِجْرًا} ؛ أي: سترًا {مَحْجُورًا} ؛ أي: ممنوعًا به تغيير أحدهما طعم الآخر، وهو صفة مؤكدة لـ {حِجْرًا} كليل أليل ويوم أيوم. وقيل: هذه كلمة استفادة كما سبق في هذه السورة. والمعنى هاهنا على التشبيه؛ أي: تنافرًا بليغًا، كأن كلاً منهما يتعوذ من الآخر بتلك المقالة، ويقول: حرامًا محرمًا عليك أن تغلب عليّ، وتزيل صفتي وكيفيتي.
واعلم: أن أكثر المفسرين حمل البحرين على بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وموضع التقائهما هو مجمع البحرين المذكور في الكهف، ولكن يلزم على هذا أن يكون البحر الأول عذبًا، والثاني ملحًا، مع أنهم قالوا: لا وجود للبحر العذب هناك، وذلك لأنهما في الأصل خليجان من المحيط، وهو مرّ، والأوجه أن يمثّل البحران بالنيل المبارك والبحر الأخضر، وهو بحر فارس الذي هو شعبة من البحر الهندي الذي يتصل بالبحر المحيط، وبحر فارس مر، وذلك أن بحر النيل يدخل في البحر الأخضر قبل أن يصل إلى بحيرة الزنج ويختلط به، وهو معنى المرج، ولولا اختلاطه بملوحته .. لما قدر أحد على شربه لشدة حلاوته كما في"إنسان العيون".