ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(4)
وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك الصورة الحسية {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} ، للإشعار بأن هذه بالآية لو أراد - سبحانه - إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما لها، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق؟
قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين. فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، قيل: خاضعين... . وقيل أعناق الناس: رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم: هم الرءوس والنواصى والصدور... وقيل: جماعات الناس.
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(7)
قال صاحب الكشاف:"وصف الزوج - وهو الصنف من النبات - بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه. يقال: وجه كريم إذا رضى في حسنه وجماله، وكتاب كريم. أي: مرضى في معانيه وفوائده... . والنبات الكريم: المرضى فيما يتعلق به من المنافع."
«فإن قلت» : ما معنى الجمع بين كم وكل؟
قلت: قد دل {كُلِّ} على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل. و {كَمْ} على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ألم يكن لأسجننك أخصر من {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين} ومؤديا مؤداه؟
قلت: أما كونه أخصر فنعم. وأما كونه مؤديا مؤداه فلا، لأن معناه:"لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق. لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل."
(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ(136)
قالوا له بكل استهتار وسوء أدب: يا هود يستوي عندنا وعظك وعدمه، ولا يعنينا أن تكون ممن يجيدون الوعظ أو من غيرهم ممن لا يحسنون الوعظ والإرشاد.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قيل» :"أوعظت أو لم تعظ"كان أخصر. والمعنى واحد.