(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «الشعراء»
1 -وقال تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ(4) .
فقالوا: كيف صح مجيء «خاضعين» خبرا عن «الأعناق» ؟
الجواب: أصل الكلام: فظلّوا لها خاضعين فأقحمت «الأعناق» لبيان موضع الخضوع.
وقرئ: (فظلّت أعناقهم لها خاضعة) .
أقول: والقراءة الصحيحة التي توافق العربية القراءة الأخيرة، غير أني أرى أن في القراءة المثبتة في المصحف، وهي موضع درسنا، مراعاة للتناسب في فواصل الآيات، فقد بنيت هذه الفواصل على أن تنتهي بالنون في كلمات موزونة على بناء واحد أو متشابه وهي: مؤمنين، خاضعين، معرضين، يستهزئون، كريم، رحيم، مؤمنين، ظالمين.
أقول أيضا: إن مراعاة التناسب في الأصوات والأوزان متطلّبة في آي القرآن، ألا ترى أن قوله تعالى: (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ(87) [البقرة] ، قد جاء في هذا السياق؟.
فتقديم المفعول على (تقتلون) ، يخدم ما أشرنا إليه لإحكام النظم وحسن الأداء، وإحداث الأثر في النفوس.
2 -وقال تعالى: (قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [الآية 24] .
أقول: إن احتساب السماوات
والأرض مثنّى بدلالة الضمير في «بينهما» مثل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما[الأنبياء:
وقد كنا قلنا في هذه المسألة ما فيه الكفاية في الآية التي أشرنا إليها من سورة الأنبياء.
3 -وقال تعالى: (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ(36) .
وقرئ: أرجئه وأرجه: بالهمز والتخفيف، وهما لغتان. يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخّرته. ومنه المرجئة أصحاب المقولة المعروفة.
وقوله تعالى: (حاشِرِينَ، أي:
شرطا، جمع حاشر.
4 -وقال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ(46) .
أي: أن السّحرة حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين. والمعنى خرّوا أو سقطوا وإنما عبّر بالإلقاء عن هذا المعنى، لأنه ذكر مع الإلقاءات التي وردت في الآيتين اللتين سبقتا:
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ.