ثم لما كان عند موسى عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يرعه توعُد فرعون {فقَالَ} له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} فيتضح لك به صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع في أن يجد أثناءه موضع معارضة {قَالَ} له {فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} .
ولم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه؛ لأن ما تقدّم يكفي منه.
{فألقى موسى عَصَاهُ} من يده فكان ما أخبر الله من قصته.
وقد تقدّم بيان ذلك وشرحه في"الأعراف"إلى آخر القصة.
وقال السحرة لما توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل {لاَ ضَيْرَ} أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا؛ أي إنما عذابك ساعة فنصبر لها وقد لقينا الله مؤمنين.
وهذا يدلّ على شدّة استبصارهم وقوّة إيمانهم.
قال مالك: دعا موسى عليه السلام فرعون أربعين سنة إلى الإسلام، وأن السحرة آمنوا به في يوم واحد.
يقال: لا ضَيْر ولا ضَوْر ولا ضَرَّ ولا ضَرَرَ ولا ضارُورة بمعنى واحد؛ قاله الهَرَويّ.
وأنشد أبو عبيدة:
فإنكَ لا يَضُوركَ بعدَ حَوْلٍ ...
أظبيٌ كان أُمُّكَ أَم حِمَارُ
وقال الجوهري: ضَارَه يَضُوره ويضيره ضَيْراً وضَوْراً أي ضَرَّه.
قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يَضُورني.
والتّضور الصياح والتلوّي عند الضرب أو الجوع.
والضُّورَة بالضم الرجل الحقير الصغير الشأن.
{إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} يريد ننقلب إلى رب كريم رحيم {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ المؤمنين} .
{أَنْ} في موضع نصب أي لأن كنا.
وأجاز الفراء كسرها على أن تكون مجازاة.
ومعنى: {أَوَّلَ المؤمنين} أي عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون.
الفراء: أول مؤمني زماننا.