قوله - جلَّ من قائل: (طسم(1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) .
وقال في سورة النمل: (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ(1) .
وقال في سورة الحجر: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ(1) .
عطف القرآن على الكتاب، فدل بذلك على أن الحروف المقطعة هذه آيات
على الكتاب الأول، كما هي آيات على القرآن وآيات الله التي نصبها شواهد على
معرفته، وإن كثرت بكثرة الموجودات وتنوعت بتنوعها، فإنها تبرم إلى موطنين على
علمنا، والله أعلم بما وراء ذلك، وهما آياته في موجود ما خلقه، وأوجده وآياته في
كتابه كما نزله وأوحى به، فمن آياته على ما أوحى به حروف الكتابة التي بها
يتوصل إلى قراءة كتابه وفهم المراد منه.
قال الله - عز من قائل: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) وذلك
منًة منه - جلَّ جلالُه - وهبة لمن يفكر فيها، لم يكن لمتعلمها أن يعلم منها قراءة المكتوب
وفهم المراد منه، لولا منَّة الله عليه بذلك.
وقد نبه الله - جل ذكره - عليها من منِّه بقوله:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)
وقال: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151) .
يقول: لولا تعليمنا إياكم.
واعلم أن هذا المعنى المشار إليه ينشأ من لدن أدنى ما عبرت عنه الكتابة إلى
أن يعبر عن كلام الله - جل ذكره - وفهم مراده في الكتب المنزلة سواه، ثُمَّ ينشأ
ذلك إلى معرفة ما هي هذه الحروف المقطعة التي هي حروف هذه الكتب آيات
عليها، ثم إلى حروف الكتاب المبين الذي هو اللوح المحفوظ، فإنها أفصح عبارة
وأوضح دلالة وأنور تبيانًا، مما تقدم على مقدار ما بين الحروف والحروف من
خصوصية ورفعة وكذلك العلم بمفهومها.