[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(طسم(1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْقَوْمُ لَمَّا كَانُوا كُفَّارًا فَكَيْفَ تَكُونُ آيَاتُ الْقُرْآنِ مُبَيِّنَةً لَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الْأَحْكَامُ؟
قُلْنَا أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَاعِلٍ مُخَالِفٍ لَهُمْ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِسَائِرِ مَا لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَى مِثْلِهِ، فَهُوَ دَلِيلُ التَّوْحِيدِ مِنْ هَذَا الوجه وَدَلِيلُ النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ الْإِعْجَازُ، وَيُعْلَمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّه تَعَالَى فَهُوَ دَلَالَةُ الْأَحْكَامِ أَجْمَعَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا صَارَتْ آيَاتُ الْقُرْآنِ كَافِيَةً فِي كُلِّ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَجْمَعَ
(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ(4)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ (خاضِعِينَ) خَبَرًا عَنِ الْأَعْنَاقِ؟
قُلْنَا أَصْلُ الْكَلَامِ: فَظَلُّوا لَهَا خَاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الْأَعْنَاقُ لِبَيَانِ مَوْضِعِ الْخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الْكَلَامُ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَمَّا وُصِفَتْ بِالْخُضُوعِ الَّذِي هُوَ لِلْعُقَلَاءِ، قِيلَ خاضِعِينَ كَقَوْلِهِ: (لِي ساجِدِينَ) [يُوسُفَ: 4] ، وَقِيلَ أَعْنَاقُ النَّاسِ رُؤَسَاؤُهُمْ وَمُقَدَّمُوهُمْ شُبِّهُوا بِالْأَعْنَاقِ كَمَا يُقَالُ هُمُ الرءوس وَالصُّدُورُ، وَقِيلَ هُمْ جَمَاعَاتُ النَّاسِ، يُقَالُ جَاءَنَا عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ لِفَوْجٍ مِنْهُمْ.
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)
فَإِنْ قُلْتَ مَا مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ (كَمْ) وَ (كُلٍّ) وَلِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مَنْ زَوْجٍ كَرِيمٍ؟