قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِأَزْوَاجِ النَّبَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَكَمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُحِيطَ مُتَكَاثِرٌ مُفْرِطُ الْكَثْرَةِ، فَهَذَا مَعْنَى الْجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الْأَزْوَاجَ وَدَلَّ عَلَيْهَا بِكَلِمَتَيِ الْكَثْرَةِ وَالْإِحَاطَةِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا عَالِمُ الْغَيْبِ فَكَيْفَ قَالَ: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) وَهَلَّا قَالَ لَآيَاتٍ؟
قُلْتُ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشَارًا بِهِ إِلَى مَصْدَرِ أَنْبَتْنَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنَّ فِي ذَلِكَ الْإِنْبَاتِ لَآيَةً أَيَّ آيَةٍ
وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَزْوَاجِ لَآيَةً.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(9)
إِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ (الْعَزِيزِ) عَلَى ذِكْرِ (الرَّحِيمِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكَانَ رُبَّمَا قِيلَ إِنَّهُ رَحِمَهُمْ لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ بِذِكْرِ الْعَزِيزِ وَهُوَ الْغَالِبُ الْقَاهِرُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ إِذَا كَانَتْ عَنِ الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ كَانَتْ أَعْظَمَ وَقْعًا.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ وَقُدْرَةِ اللَّه عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ عِقَابَهُمْ لَا يَتْرُكُ رَحْمَتَهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّبَاتِ، ثُمَّ مِنْ إِعْطَاءِ الصِّحَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْهِدَايَةِ.
(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11)
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا الِالْتِفَاتِ وَالْخِطَابُ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي وَقْتِ الْمُنَاجَاةِ، وَالْمُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ غَائِبُونَ لَا يَشْعُرُونَ؟