كان يقول سهل بن عبد الله: «اليقين نار، والإقرار فتيلة، والعمل زيت. وقد قال الله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (الفتح: 29) وقال تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} (النور: الآية 35) فنور اليقين من نور الله في زجاجة القلب يزداد ضياء بزيت العمل، فتبقى زجاجة القلب كالكوكب الدري وتنعكس أنوار الزجاجة على مشكاة القالب، وأيضاً يلين القلب بنار النور، ويسري لينه إلى القالب فيلين القالب للين القلب، فيتشابهان لوجود اللين الذي عمهما» قال الله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: الآية 23) وصف الجلود باللين كما وصف القلوب باللين، فإذا امتلأ القلب بالنور، ولان القالب بما يسري فيه من الأنس والسرور يندرج الزمان والمكان في نور القلب، ويندرج فيه الكلم والآيات والسور وتشرق الأرض أرض القالب بنور ربها، إذ يصير القلب سماء والقالب أرضاً، ولذة تلاوة كلام الله في محل المناجاة تستر كون الكائنات والكلام المجيد بكونه ينوب عن سائر الوجود في مزاحمة صفو الشهود، فلا يبقى حينئذ للنفس حديث، ولا يسمع للهاجس حسيس، وفي مثل هذه الحالة يتصور تلاوة القرآن من فاتحته إلى خاتمته من غير وسوسة وحديث نفس، وذلك هو الفضل العظيم.
والوجه الثاني: لقوله عليه السلام: «مَنْ صَلَّى بَاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» معناه: أن وجوه أموره التي يتوجه إليها تحسن وتتداركه المعونة من الله الكريم في تصاريفه، ويكون معاناً في مصدره ومورده، فيحسن وجه مقاصده وأفعاله، وينتظم في سلك السداد مسدداً أقواله، لأن الأقوال تستقيم باستقامة القلب. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...