وقوله تعالى: {مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] الطَّهُور: الماء الطاهر في ذاته ، المطهِّر لغيره ، فالماء الذي تتوضأ به طاهر ومطهر ، أما بعد أنْ تتوضأ به فهو طاهر في ذاته غير مُطهِّر لغيره ، وماء السماء طاهر ومُطهر ؛ لأنه مُصفّى مُقطّر ، والماء المقطر أنقى ماء .
بالإضافة إلى أن الماء قِوَام الحياة ، منه نشرب ونسقي الزرع والحيوان والطير ، فالماء يعطيك الحياة ويعطيك الطهارة .
ثم يقول الحق سبحانه: {لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ}
قوله تعالى: {بَلْدَةً مَّيْتاً} [الفرقان: 49] أي: أرض بلدة مَيْت ، وفرْق بين ميْت وميِّت: الميْت هو الذي مات بالفعل ، والميِّت هو الذِّي يؤول أمره إلى الموت ، وإنْ كان ما يزال على قيد الحياة ، ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] .
والأرض الميْتة هي الجرداء الخالية من النبات ، فإذا نزل عليها الماء أحياها بالنبات ، كما في قوله سبحانه: {وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] .
وقوله تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} [الفرقان: 49] يُقال سقاه وأسقاه: أسقاه: أعدَّ له ما يستقى منه ، وإنْ لم يشرب الآن ، لكن سقاه يعني: ناوله ما يشربه ، ومن ذلك قوله سبحانه: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21] .
أمّا في المطر فيقول سبحانه: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] أي: أعددناه لِسُقْياكم إنْ أردتم السُّقْيا .
ومعنى {وَأَنَاسِيَّ} [الفرقان: 49] جمع إنسان ، وأصلها أناسين ، وخُفِّفَتْ إلى أناسيّ .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ}