إذن: فالريح من هنا ، ومن هنا ، ومن هنا ، فهي رياح متعددة تُصلِح ولا تُفسِد ، وتُحدِث هذا التوازن الذي نراه في الكون ، أمّا الريح التي تأتي من ناحية واحدة فهي مدمرة مهكلة ، كما جاء في قوله تعالى: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] .
وقال الحق سبحانه وتعالى: {بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24] .
ومعنى {بُشْراً} [الفرقان: 48] بسكون الشين ، مع أنها في الأصل بُشُراً مثل رُسُل ، فلما خُفِّفَتْ صارت بُشْراً ، والبُشْرى هي الإخبار بما يسرُّ قبل زمنه ، فلا تقول يبشر إلا في الخير ، وكان العربي ساعة تمر عليه الرياح يعرف كم بينه وبين المطر ، فيحكم على مجيء المطر بحركة الرياح الطرية التي تداعب خدّه .
وقوله سبحانه: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان: 48] يقال: بين يديك يعني: أمامك . والمراد هنا المطر الذي يسبق رحمة الله .
ثم قول تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] السماء لها معنى لُغوي ، ومعنى شرعي . فهي لغةً: كل ما علاك ، وشرعاً: هي هذه السماء العالية والتي تتكون من سبع سموات ، لكن أينزل المطر من السماء أم من جهة السماء؟
المطر ينزل من الغمام من جهة السماء ، والغمام أصله من الأرض نتيجة عملية البخر الذي يتجمع في طبقات الجو ، كما قال سبحانه:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} [النور: 43] .
إذن: فرحمة الله هي الماء الذي خلق الله منه كلّ شيء حيٍّ .