وهذه نُفسِّر بها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه ذلك لأن جوارحه صلى الله عليه وسلم تصحبه خير صُحْبة ، فهي في طاعة دائمة مستمرة ، فكيف تحمله على أنْ ينام؟
والخالق عز وجل يعامل الناس على المعنى العام ، فالنفوس دائماً ميَّالة للشر جانحة للسوء ؛ لذلك تتعب الطاقة وتتعب الجوارح ، وكأن الله تعالى يريد إحداث هُدْنة للتعايش بينك وبين جوارحك ، نَمْ لتصبح نشيطاً .
ومعنى {والنوم سُبَاتاً} [الفرقان: 47] السّبْت أي: القطْع . فمعنى {سُبَاتاً} [الفرقان: 47] يعني: قاطعاً للحركة ، لا انقطاعاً نهائياً ، إنما انقطاعاً مُسْتأنفاً لحركة أفضل ، وبدن أقوى وأصحّ ، فالذي يقضي ليله ساهراً يقوم من نومه مُتْعباً مُضطرباً ، على خلاف مَنْ جعل وقت النوم للنوم ؛ لأن الخالق عز وجل جعل نومك بالليل على قَدْر ما تتحرك بالنهار ، فإنْ أردتَ حركة مُتزنة نشيطة وقوية فنَمْ على مقدار هذه الحركة .
وقوله تعالى: {وَجَعَلَ النهار نُشُوراً} [الفرقان: 47] النشور مثل الشُّكور: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} [الإنسان: 9] أي: شكر ، وكذلك النشور أي نشر ، والنشر يعني الانطلاق في الأرض بالحركة ، كما في قوله تعالى: {فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 10] .
ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح}
قلنا: إن الرياح إذا جاءت هكذا بصيغة الجمع دلَّتْ على الخير ، وإنْ جاءتْ مفردة فهي آتية بالشر ، وإذا نظرتَ إلى الجبال العالية وإلى ناطحات السحاب تقول: ما الذي يقيم هذه المباني العالية ، فلا تميل؟ الذي يسمكها هو الهواء الذي يحيط بها من كل ناحية ، ولو فرَّغْتَ الهواء من أحد نواحيها تنهار فوراً .