التصريف: التحويل والتغيير ، والمعنى حَوّلناه من هنا إلى هنا ، ومع كل هذه العبر والآيات {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً} [الفرقان: 50] فالكافرون بآيات الله كثير لا يلتفتون إلى آيات الله ، حتى بعد أنْ تقدَّم العلم وتقدَّمتْ الحضارة الإنسانية ، ووقف الناس على كثير من الآيات .
فالحق تبارك وتعالى يُصرِّف المطر إلى بلاد بغزارة ، فإنْ شاء أصابها الجفاف والجدب حتى تموت مزروعاتهم وحيواناتهم . إذنْ: ليست المسألة بيئة باردة أو كثيرة الأمطار ، إنما المسألة مرادات خالق ، ومرادات حق .
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51)
يريد الحق تبارك وتعالى أن يمتنّ على رسوله صلى الله عليه وسلم مِنَّةَ ، فيقول له: المسألة ليست قلةَ رسل عندنا حتى نرسل رسولاً للناس كافة وللزمن كله ، ونحن نستطيع أن نُخفِّف عنك ونبعث في كل قرية رسولاً يُخفِّف عنك عبء الرسالة ، لكنّا نريد لك أنْ تنال شرف الجهاد وشرف المكافحة ، فجمعناها كلها لك إلى أنْ تقوم الساعة .
ونستفيد من هذه المسألة أن الحق سبحانه وتعالى حين يَهَبُ الطاقات لا يعني هذا أن الطاقة هي التي تحكم قدرته في الأمر أن يبعث في كل قرية رسولاً ، إنما يقدر أن يرسل رسولاً ويعطيه طاقة تتحمل هذا كله .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تُطِعِ الكافرين وَجَاهِدْهُمْ}
أي: ما دُمْنا قد جمعنا لك كل القرى ، وحمّلناك الرسالة العامَة في كل الزمان وفي كل المكان ، فعليك أن تقف الموقف المناسب لهذه المهمة {فَلاَ تُطِعِ الكافرين} [الفرقان: 52] إنْ لوَّحُوا لك بالملك أو بالمال أو بالجاه والشرف ، واعلم أن ما أعده الله لك وما ادخره لك فوق هذا كله .
وحين يقول سبحانه لرسول صلى الله عليه وسلم {فَلاَ تُطِعِ الكافرين} [الفرقان: 52] فإنه يعذره أمامهم ، فالرسول ينفذ أوامر الله .