{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) }
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة"فتوكل"بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، والجمهور بالواو وكذلك في سائر المصاحف، وأمره الله تعالى بالتوكل عليه في كل أمره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة المذكورتان في أواخر قصص الأمم المذكورة في هذه السورة. وضمنها نصر كل نبي على الكفرة والتهمم بأمره والنظر إليه، وقوله {الذي يراك حين تقوم} ، {يراك} عبارة عن الإدراك، وظاهر الآية أراد قيام الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات وهو تأويل مجاهد وقتادة، وقوله {في الساجدين} قيل يريد أهل الصلاة أي صلاتك مع المصلين، قاله ابن عباس وعكرمة. وغيرهما، وقال أيضاً مجاهد يريد تقلبك أي تقليبك عينك وأبصارك الساجدين حين تراهم من وراء ظهرك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى أجنبي هنا، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة أراد تقلبك في المؤمنين فعبر عنهم ب {الساجدين} ، وقال ابن جبير أراد الأنبياء أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء، وقوله تعالى: {هل أنبئكم} معناه قل لهم يا محمد هل أخبركم {على من تنزل الشياطين} وهذا استفهام توقيف وتقرير، و"الأفاك"الكذاب، و"الأثيم"الآثم. ويريد الكهنة لأنهم كانوا يتلقون من الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من السماء، فيخلطون معها مائة كذبة، فإذا صدقت تلك الكلمة كانت سبب ضلالة لمن سمعها، وقوله {يلقون} يعني الشياطين، ويقتضي ذلك أن الشيطان المسترق أيضاً كان يكذب إلى ما سمع هذا في الأكثر، ويحتمل الضمير في {يلقون} أي يكون للكهنة فإفكهم وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام كتاب الله عقب ذلك بذكر {الشعراء} وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، إذ قال في القرآن بعض الكفرة إنه شعر، وهذه الكناية هي عن شعراء الجاهلية، حكى النقاش عن السدي أنها في ابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث وهبيرة بن أبي وهب ومسافع الجمحي وأبي عزة وأمية بن أبي الصلت.