قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولاُ: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) ، ثم قال آخراً: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ؟
فالجواب: أنه لاَيَنَ أولاً طمعاً في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله: «إن كنتم تعقلون» ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) . اهـ.
(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ(29)
أي: لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فرداً، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشدّ من القتل.
ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي.
(لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ(40)
وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملاً لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة.
(إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ(54)
ذكرهم بالاسم الدالّ على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل، فيدل على أنّ كلّ حزب منهم قليل.
أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يُبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم.
قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقلّ قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً - لكثرة مَن معه.
(قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ(71)
وإنما قالوا: (فَنَظَلُّ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. أو: يراد به الدوام.
(فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)