وفي موضع آخر: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} [لقمان: 25] .
لأنهم لا يملَكون إنكارها ، وإنْ أنكروها فالردّ جاهز: على مَنْ خلق أولاً أن يُرينا شيئاً جديداً من خَلْقه .
ومعنى {يَبْدَأُ الخلق} [النمل: 64] يعني: الخلْق الأول من العدم {ثُمَّ يُعيدُهُ} [النمل: 64] لأن الذي خلقنا من عدم كتب علينا الموت ، وأخبرنا بالغيب أننا سنُبعث يوم القيامة ، وسيعاد هذا الخَلْق مرة أخرى ، فالذين لم يملكوا إنكار الخلق أنكروا البعث ، فقالوا كما حكى القرآن:
{ق والقرآن المجيد * بَلْ عجبوا أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 13] .
فاستبعدوا البعث بعد الموت ، وتحلّل الأجساد في التراب . وهذه القضية خَاضَ فيها الفلاسفة بكلام طويل ، وللردِّ عليهم نقول: أنتم في القوانين الوضعية تجعلون الثواب لمن أحسن ، والعقوبة لمن قصَّر ، وتُجرِّمون بعض الأعمال بعينها ، وتضعون لها العقوبة المناسبة ، وفي القانون: لا عقوبةَ إلا بتجريم ، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ ، ولا نصَّ إلا بإعلام .
ولم نَرَ في القانون الوضعي جريمة تُرِكت بلا عقوبة ، فإذا كان البشر يضعون لمجتمعاتهم هذه القوانين التي تنظم حياتهم ، أليس رب البشر أوْلَى بقانون الثواب والعقاب؟ وإذا كنتَ لا ترضي لنفسك أنْ يفلتَ المجرم من العقاب ، فكيف ترضى ذلك لله؟
ثم ألا تعلم أن كثيراً من المجرمين يرتكبون جرائمهم في غفلة من القانون ، أو يُعمُّون على العدالة ويهربون من العقاب ، ويُفلِتون من القوانين الوضعية في الدنيا ، ولو تركنا هؤلاء بلا عقاب أيضاً في الآخرة فهم إذن الفائزون ، وسوف نشجع بذلك كل منحرف خارج عن القانون .