وقد سيقت القصةُ دليلاً على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنَّ خبره من السماء، إذ هو يقصُّ أخباراً ما كان يعلمها هو ولا أحدٌ من قومه، ولا يكون هذا إلا بوحي من السماء {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (49) سورة هود.
وهي علاج للقلوب، ودواء للنفوس لما فيها من أخبار الأمم وما حلَّ بالعاصين من عاجل بأس اللّه. فأهلُ اليقين وغيرهم إذا تلوها تراءى لهم من ملكه وسلطانه وعظمته وجبروته حيث يبطشُ بأعدائهِ ما تذهلُ منه النفوسُ. وتشيبُ منه الرؤوسُ
والقصةُ مدرسةُ المؤمنين المنتفعينَ بهدي القرآن، {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} (20) سورة الجاثية، فيها أحسنُ الدروس، وأقوى الأمثالِ التي تضربُ لتحمُّلِ الدعاة المرشدين {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (28) سورة هود.
أما تكرارها في القرآن فلِما في أغراضها ومقاصدها من معانٍ جليةٍ، وفوائدَ ساميةٍ يحرصُ القرآنُ دائماً على ذكرها لتكون ماثلةً أمام أعين المسلمينَ بكلِّ لونٍ وأسلوبٍ.
وقصةُ قارونً من هذا القبيل،فهي تمثِّلًُ طغيان المالِ، والتهالك على جمع الحطام، وكيف يعمي بصر صاحبه عن رؤية الحقِّ الأبلج، وبالتالي كيف يودي بصاحبه إلى الهاوية وما أكثر هؤلاء في كل العصور، ولاسيما في عصرنا هذا، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) [العلق: 6 - 8] }. وقد قمت بإفرداها في كتيب منذ حولي عشرين سنة، وطبع الكتاب، ونفذت الطبعة الأولى، وكان بودي إعادة النظر فيه والتوسع أكثر منذ زمان.
وهذا الكتاب قد قسمته إلى المباحث التالية:
المبحث الأول- أَغْرَاض اَلْقِصَّة في القرآن الكريم
المبحث الثاني- قصة المال والعلم وتأثيرهما في النفس الإنسانية