(مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ(28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)
وإلى هذا وما هو في معناه وما يتبعه الإشارة بقوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41) .
أتبع ذلك قوله الحق: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ...(42)
وصف نفسه - جلَّ جلالُه - بالعلم في مقابلة وصف أولئك بالوهن والموت
وعدم الحياة والقدرة على جلب نفع أو دفع ضر.
ثم قال: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وصف نفسه - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاوه وشأنه - بالعزة والمنعة والقدرة والحكمة والأحكام، في مقابلة وصف أولئك
بعدم ذلك كله، سبحانه وله الحمد، يقول - جل قوله وتعالى علاؤه: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) . جعلنا الله ممن علمه من
علمه وأجزل حظه ومعرفته وأحسن عونه على ذكره وشكره وحسن عبادته.
قوله - جلَّ جلالُه -: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(44)
لما شبه ما اتخذوه من دونه من أولياء بالعنكبوت، وشبه ما
يتمتعون به في الدنيا من مواصلة وتناصر ليست إليهم عواقبها، ولا إتمام ما يريدون
منها وبها، إنما حقيقتها من حيث هم كسب منهم حقيقة ذلك، وإتمامه إلى الله العلي
الكبير، فشبه ما يتمتعون به من ذلك بصنع العنكبوت بيتها وبوهنه.
ذكر في مقابلة ذلك خلقه السماوات والأرض وما بينهما بالحق، لعظيم خطر
ذلك وكريم خلقته وتحقيق حكمته، وأن يعرف ذلك برفع المؤمنين إلى أعلى
درجاتهم، ويبوئنهم كريم مآبهم في الدار الآخرة، ليس كذلك بيت العنكبوت في
وهنه، وسرعة خرابه وعجزه عن المنعة عن الخراب، ومصنوع العنكبوت شبيه بها
في العجز والوهن، ليس كذلك خلق الله - جل ذكره - السماوات والأرض، فإنه
الحي العزيز الحكيم، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة الفائقة العلا خلقها
بالحق (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(44) .