(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ولما في وصف
بيت العنكبوت من وصف حقيقته أنه يخرج غزلاً من دبرها، فتتخذ منه بيتًا تمتنع به،
زعمت من محذورها وفي المتخذين آلهتهم بأهوائهم وصنع أيديهم، تنزه - جل
ذكره - عن ذكر حقيقته، وأعرض عن تبيانه، وعبر عنه بقوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) . لما كان الهوى أبدًا ينسب
إلى الشمال والوراء والتحت، سبحانه وله الحمد، ما أحكم آياته وأغرب أحكامه!.
معنى قوله هذا منتظم بما استاق من أجله المثل، لما ذكر ما اتخذوه من أولياء
لا غنى عدهم ولا دفع ولا نفع ذكر خلقه السَّمَاوَات والأرض، وأنه خلق ذلك
بالحق الذي هو كلمته وقدرته ومشيئته وعلمه، وبما هو له من الأسماء الحسنى
والصفات العلا، فعبر كلمه عن إرادته وقدرته وعلمه، وعبرت إثارته في مصنوعه
عن أسمائه وصفاته، وعنونت إرادته عن مراده فيه ومنه كونا وشرعا، وعنون
المصنوع عن أوصاف ما انتزع منه وهي الدار الآخرة، فدار الدنيا سماواتها وأرضيها
وما بين ذلك تُنبئ بما فيها عما كانت عنه وانتزعت منه، فتفهم هذد الجملة، وترفق
في نظرك، وتلطف لإيمانك؛ ولتكن قاعدتك التي تؤسس عليها.
نبأك قوله الحق: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) واجعل معقلك الذي
تلوذ به وتحترز به قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ (27) . فهذا - وفقنا الله وإياك - وما أكثر من هذا من آيات الله - عز وجل -
فيما خلقه للمؤمن، فاستفتح الأبواب، وترق في الأسباب، عسى أن ينهضك إلى
منزلة الممدوحين بالعلم بقوله: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) .
قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ...(45) إلى قوله:(وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)لما ذكر الجهاد والمجاهدة بعد ذكر الابتلاء
والمحنة، وذكر ما المجاهدين فيه، وما تحملوه في ذاته وتبليغ رسالاته، وذكر