ثم إنه لو سلّم أن الرسول صلّى الله عليه كان راغبا فيها ومؤثرا لطلاقها لكي يتزوّجها إذا فورقت واعتدّت وحلّت للأزواج، وأنّه خاف أن يظهر ذلك الموضع للقالة التي قدمناها والقذف له، لم يكن ذلك ذنبا من ذنوبه، وخشية النّاس وتركه لخشية الله، لأنّ ميل الطباع وشهوات النفوس والرغبة في النّساء والوقوع في حبائلهن، وتعلّق القلوب بهنّ إذا خرج عن التكليف والاكتساب لم يكن صاحبه ملوما مذموما إذا عزم العازم على التزويج بمن يؤثره إذا حلّت للأزواج، لتسكين طبعه وإحمام نفسه ودفع الوسوسة، والحوم حول الحمى ومكابدة الألم ومدافعة النّفس وطلب الاشتغال عن ذلك بطاعة الله، فإنّه بهذا العزم والقصد مطيع لله، فكأنّه قال له عليه السّلام لا تخف الناس في كشف هذه الحال لهم بأنّها مطلقة مباحه، واعلم أن الله أحقّ أن تخشاه، ويخبر بالمباح المطلق لك من دينه وفي شريعته، وإذا كان ذلك كذلك؛ بان أنّه لا عيب على الرسول ولا عار، وأنّه غير مواقع بذلك ذنبا ولا عصيانا ولا تارك لخشية الله تعالى، وبطل ما قدّروه وزال ما توهّموه. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...