فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة سبأ
افتتحت بالحمد لله سبحانه لما أعقب بها ما انطوت عليه سورة
الأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حسبما بيَّن آنفا فكان مظنة الحمد
على ما مَنح عباده المؤمنين وأعطاهم فقال تعالى:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"
ملكا واختراعا وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعا عن فهم تصرفه سبحانه في عباده بما تقدم وتقريعهم بحسب ما شاء، فكأن قد قيل إذا كانوا له - مِلكا وعبيدا أفلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من
تيسير للحسنى أو لغير ذلك مما شاءه بهم على فهم علته أو استطلاع سببه
بل يفعل بهم ما شاء وأراد من غير حجر ولا منع وهو الحكيم الخبير وجه
الحكمة في ذلك التي خفيت عنكم، وأشار قوله:"وله الحمد في الآخرة"
إلى أنه سيطلع عباده المؤمنين من موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم
من الجزاء وعظيم الثواب في الآخرة على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم"فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ".
ثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده على ما هو أهله ببسط شواهد حكمته
وعلمه فقال تعالى:"يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها (إلى قوله) (وهو الرحيم الغفور) "،
فبرحمته وغفرانه أنال عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم، فله الحمد الذي هو أهله، ثم أتبع هذا بذكر إمهاله من كذب كفر مع عظيم اجترائهم لتبين سعة رحمته ومغفرته فقال تعالى:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ (إلى قوله) :"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ" (الآيات: 3 - 9) أي إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم واستهزائهم في قولهم:"لا تأتينا الساعة"وقوله:"هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ" (آية: 7) "
وإغضائهم عن الاعتبار بما بين أيديهم من السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات، ففي إمهالهم وإدرار أرزاقهم مع عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر، ثم بسط
لعباده المؤمنين من ذكر آلائه ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ملكه، كما أعلم في قوله سبحانه:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"
فقال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ(10)
ثم قال (ولسليمان الريح"إلى قوله"اعملوا آل داود شكرا"، ثم أتبع"
ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها، ثم وبخ (تعالى) من
عبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال:"قل ادعوا الذين زعمتم من"
دون الله" (آية: 22) إلى وصفه حالهَم الأخروي ومراجعة متكبريهم"
ضعفاءَهم، وضعفاءهم متكبريهم"وأسروا الندامة لما رأوا العذاب"، ثم
التحمت الآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها.
انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 283 - 285} .