ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
سورة فاطر
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}
فقال:"تثير"مضارعًا، وما قبله وما بعده ماضيًا، مبالغة في تحقيق إثارة الرياح السحاب للسامعين، وتقرير تصوره في أذهانهم.
فإن قلت: أهم الأفعال المذكورة إحياء الأرض، وقد ذكره بلفظ الماضي، وما قررتموه يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع، إذ هو أهم، وإثارة السحاب سبب بعيد على مرتبتين.
قلت: لا نسلم أهمية إحياء الأرض، بل إثارة السحاب أهم؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر هذا الكلام في معرض آيات قدرته؛ ليدل على اقتداره على البعث والنشور بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها، بالمقدمات المذكورة، وأهمها وأدلها على القدرة أعجبها، وأبعدها عن القدرة والتصور البشريين، وإثارة السحاب أعجبها، فكانت أولى بالتحقيق بالتخصيص بالفعل المضارع. وإنما قلنا إن إثارة السحاب أعجب؛ لأن سببها أخفى من حيث إنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب اخضرار الأرض، وإثارة السحاب وسوقه سبب نزول الماء، أما إثارة السحاب، فلو خلينا وظاهر العقل، لم نعلم أن الرياح سببها؛ لعدم إحساسنا مادة السحاب وجهته، ولطافة الريح عن إدراك الحس، وإنما نبهنا على سبب ذلك بهذا النص وأشباهه، لأن ما قرره الفلاسفة والطبيعيون في ذلك، فإنه إنما أفاد وهما أو ظنا، لا علما، والله أعلم.
{فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}
(تقديم الأعجب فالأعجب) كقوله {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} ولو العكس، لكان من تقديم الأكثر فالأكثر، كقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر] ، فهذه الأصناف من الناس في الكثرة والقلة على هذا الترتيب.
ولو عكس، لكان من باب تقديم الأفضل فالأفضل، وهم في الأفضلية على هذا الترتيب.
وعلى هذا، فمتى تفاوت الشيئان فصاعدًا في وصفين، فلك تقديم أيهما شئت باعتبار رجحانه في وصفه، لاستوائهما يكون كل منهما راجحًا من وجه، مرجوحًا من وجه، نعم إن كان تقديم أحدهما أنسب لسياق الكلام ومطلعه، كان تقديمه أولى، فمن ذلك آية النور، تقديم الأعجب فالأعجب فيها أنسب لما قبله من سياق الكلام ألا ترى أنه تعالى ذكر عجائب مصنوعاته تنبيهًا على قدرته بقوله تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحابًا} ، ثم ذكر العجائب العلوية من: برد، وبرق، ومطر، وغير ذلك، ثم ذكر الدواب، فكان المناسب تقديمه ما ذكر.
ومنه آية الملائكة، فإنها سيقت لبيان استحقاقه الحمد، وتذكير العباد نعمه عليهم وتحذيرهم من متابعة الشيطان، وإنكار كلمهم، وكفرهم عليهم، ثم عقب ذلك بذكر المخلوقات الكثيرة بقوله: {فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها * ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} ، فناسب ذلك تقديم الظالم والمقتصد المفضوليين، وتقديم الأكثر فالأكثر. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...