وقال المؤيد بالله:
سورة فاطر
(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)
مما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في خلق الملائكة:
قال:
ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته وعمارة الصفيح الأعلا من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته، وملأ بهم فروج فجاجها، وحشا بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الأسماع، سبحانه نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعته، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحا على أعلام توحيده، لم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم، فلم تطمع فيهم الوساوس فتفترع برينها على فكرهم .. إلى آخر كلامه في أحوالهم وصفاتهم، ولولا خوف الإطالة لنقلنا كل كلامه في ذكر خواصهم.
(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ(9)
فوسّط قوله: (فَتُثِيرُ سَحاباً) ، وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال بين فعلين ماضيين، وهما قوله: (أَرْسَلَ) ، (فَسُقْناهُ)