، والسر في مثل هذا، هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الإنسان يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي إذا عطف؛ لأنه لا يعطي هذا المعنى ولا يدل عليه، فإذا قال (فتثير) على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله: «أرسل» فإنما يكون دالا على حكاية الحال التي تقع فيها إثارة الريح للسحاب، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وكذلك تفعل فيما هذا حاله، فإنك تقرره على هذا الضابط.
(إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ(28)
ومما جاء في حصر الفاعل قوله تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) فالمعنى أنه لا خاشي لله إلا هم، وأنهم هم المستبدون بمراقبة الله تعالى: وتعظيم شأنه من بين سائر الخلق، ولو كان الحصر واقعا في المفعول لانعكس المعنى، فلو قال إنما يخشى العلماء الله، لكان تقديره ما خشي العلماء إلا الله، وعلى هذا يكون الحصر في المخشي لا في الخاشي ويفيد أن المخشي هو الله دون غيره، وعند هذا لا يمتنع أن يشارك العلماء غيرهم في خشية الله، فعلى المعنى الأول الخشية محصورة في العلماء، وعلى المعنى الثاني الله المخشي دون غيره، ومع هذا يكون مخشيا للعلماء ولغيرهم، وسرّ التفرقة بين المعنيين إنما يحصل من جهة ما ذكرناه من انحصار الفاعل، والمفعول بعد «إلا» كما قررناه، وإنما كان الحصر مختصا بإلا، ولم يكن حاصلا قبلها؛ لأن الحصر من أثر «إلّا» وأثر الحرف لا يحصل إلا بعده، ولا يكون حاصلا قبله.
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ(32)
فإنما قدم الظالم لنفسه لأجل الإيذان بكثرتهم وأن معظم الخلق على ظلم نفسه، ثم ثنى بعدهم بالمقتصدين لأنهم قليل بالإضافة إلى الظالمين، ثم ثلث بالسابقين وهم أقل من المقتصدين، فلا جرم قدم الأكثر، ثم بعده الأوسط، ثم ذكر الأقل آخرا لما أشرنا إليه، ولو عكست هذه القضية فقدم السابق لشرفه على الكل، ثم ثنى بالمقتصد لأنه أشرف ممن ظلم نفسه لم يكن فيه إخلال بالمعنى، فلا جرم روعي في ذلك تقديم الأفضل فالأفضل. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...