{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}
افتتاحها بـ {الحمد لله} مؤذن بأن صفات من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة مِن خلقِهِ السماوات والأرض وأفضللِ ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإِثبات التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذان {الحمد لله} باستحقاق الله إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة.
والفاطر: فاعل الفَطْر، وهو الخلق، وفيه معنى التكون سريعاً لأنه مشتق من الفطر وهو الشق، ومنه {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} [الشورى: 5] {إذا السماء انفطرت} [الانفطار: 1] .
وعن ابن عباس"كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض (أي لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتُها."
وأحسب أن وصف الله بـ {فاطر السماوات والأرض} مما سبق به القرآن، وقد تقدم عند قوله تعالى {فاطر السماوات والأرض} في سورة الأنعام (14) ، وقوله: {وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض} في آخر سورة يوسف (101) فضُمَّه إلى ما هنا.
وأما جاعل فيطلق بمعنى مكوِّن، وبمعنى مُصَيِّر، وعلى الاعتبارين يختلف موقع قوله: {رسلاً} بين أن يكون مفعولاً ثانياً ل {جاعل} أي جعل الله من الملائكة، أي ليكونوا رسلاً منه تعالى لما يريد أن يفعلوه بقوتهم الذاتية، وبين أن يكون حالاً من {الملائكة} ، أي يجعل من أحوالهم أن يُرسَلوا.
ولصلاحية المعنيين أُوثرت مادة الجعل دون أن يعطف على معمول {فاطر} .
وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان السماوات وعظيم خلقهم.