وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني:
سورة فاطر
{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (2) }
ومن ذلك قولُه تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} لو قيلَ:"هل من خالقٍ غيرُ اللهِ رازقٌ لكم"، لكان المعنى غيرَ ما أُريدَ.
{إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ... (18) }
المعنى على أنَّ مَن لم تكنْ له هذه الخَشْيةُ، فهو كأنهُ ليس له أُذُنٌ تَسمَعُ وقلْبٌ يَعْقِلُ، فالإنذارُ معه كَلاَ إِنذارٌ.
{إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) }
وجملةُ الأمرِ أنك متى رأيتَ شيئاً هُوَ مِن المَعْلوم الذي لا يُشَكُّ فيه قد جاء بالنَّفي، فذلك لتقديرِ معنًى صارَ به في حُكْم المشكوكِ فيه، فمِنْ ذلك قولُه تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير} إنما جاء واللهُ أعلم، بالنفي والإِثبات، لأنه لمَّا قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور} ، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم"إنك لن تستطيعَ أن تُحوِّل قلوبَهُم عمَّا هي عليه من الإِباء، ولا تملِكُ أن تُوقِعَ الإيمانَ في نفوسِهم، مع إصرارِهم على كُفرهم، واستمرارِهم على جَهْلِهم، وصدِّهم بأسْماعِهم عما تقوله لهم وتتوله عليه"1 كان اللائقُ بهذا أن يُجعَل حالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حالَ مَنْ قد ظَنَّ أنه يملكُ ذلكَ، ومَنْ لا يَعْلَمُ يقينًا أنه ليس في وُسْعه شيءٌ أكثرُ من أن يُنْذِر ويُحَذِّر، فأخْرَجَ اللفظَ مُخْرَجَه إذا كان الخطابُ مع مَنْ يَشُكُّ، فقيل:"إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ". ويُبيِّنُ ذلك أنَّك تقولُ للرجل يُطِيلُ مُناظَرةَ الجاهلِ ومقاولَتَهُ:"إنَّك لا تَستطيعُ أنْ تُسْمِعَ الميِّتَ، وأنْ تُفْهِمَ الجمادَ، وأن تحوِّلَ الأعمى بصيرًا، وليس بيدك [[إيلا تُبَيِّنَ] ] وتحتجَّ، ولستَ تملكُ أكثرَ من ذلك"لا تقول ههنا:"فإنَّما الذي بيدِك أنْ تُبَيِّنَ وتحتجَّ"، ذلك لأنك لم تَقُلْ له"إنك لا تستطيع أنْ تُسْمِعَ الميتَ"، حتى جعلته بماثبة مَنْ يَظُنُّ أنه يملك وراءَ الاحتجاجِ والبيانِ شيئاً. وهذا واضحٌ، فاعرفْه.