وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
سورة فاطر
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا (8) }
أي: كمن لم يزين له سوء عمله، وهو شبيه بما تقدم، وقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} ، ولم يقل: أفمن ضل ليذيع جعله وبلادة نفسه، فهو لا يميز بين الأشياء الواضح تباينها، بل إن يرى السوء حسنا، فقد فسد طبعه المميز بين الحسن والقبح، فلا عجب إذا استحب العمى على الهدى.
وهذا ما تراه حولك حين تجد ناسا كأنهم نذروا أعمارهم للقبيح وعاشوا له.
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ (9) }
قال: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} ، فجرى على طريق الغيبة، ثم قال: {فَسُقْنَاهُ} ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فساقه، ولكنه انتقل إلى التكلم ليحدث إيقاظًا عند هذا المقطع المهم من مقاطع المعنى لأن سوق السحاب إلى الأرض الميتة، فتحيا ضرب من قمسة الأرزاق، فناسب أن ينقل الإسناد إلى ضمير ذي الجلالة سبحانه، ولهذا أيضا لم يسند إلى الرياح على طريق المجاز كما في الجملة السابقة {فَتُثِيرُ سَحَابًا} ؛ لأن إثارة السحاب ليس في خطورة سوقها، واتجاهها نحو ما يشاء الله من عباده؛ الالتفات مهنا يشير إلى أن الله سبحانه يسوق السحاب بذاته العلية، ويقسمه رحمة ورزقا بيديه، ولا يدع ذلك لأحد من خلقه.
وقد جاء ذلك مفصلا في سورة الأعراف آية 57: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} .
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ (32) }
وقد تلحظ الكثرة والقلة في تقديم بعض المتلعقات على بعض، فيقدم الأكثر فالذي يليه، من ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ (32) }
فقوله: فمنهم ظالم تقسيم لقوله: الذين اصطفينا من عبادنا قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته، وأن معظم الخلق عليه ثم أتى بعده بالمقتصدين؛ لأنهم قليل بالإضافة إلى الظالم، ثم أتى بالسابقين، وهم أقل من القليل أعني من المقتصدين، فقدم كما ترى الكثير ثم الذي يليه. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...