ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة يس
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ}
قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} أي نبعثهم في الآخرة للمجازاة على أعمالهم.
قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ} .
«إن قلت» : إن الكتابة متقدمة قبل الإحياء، إذ هي في الدنيا والإحياء يكون في الآخرة؟
أجيب بأنه قدم الإحياء اعتناء بشأنه، إذ لولاه لما ظهرت ثمرة الكتابة.
{وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ}
قوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ} إلخ، هذا تحقير لهم وتصغير لشأنهم، والمعنى: لم يحتج في إهلاكهم إلى إرسال جنود من الملائكة، بل نهلكهم بصيحة واحدة مثلاً، وقوله: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} أي لم يكن شأننا وعادتنا، إرسال جنود لإهلاك أحد من الأمم قبلهم، بل إذا أردنا إهلاكاً عاماً، يكون بغير الملائكة، كصيحة أو رجفة أو غير ذلك.
«إن قلت» : إن الملائكة قد نزلت من السماء يوم بدر للقتال مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
أجيب: بأن إنزالهم تكرمة للنبي وأصحابه لا للإهلاك العام، وقيل: نزول الملائكة والاستنصار بهم من خصوصياته صلى الله عليه وسلم.
{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}
قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} هذا تنزيه من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عن آلهتهم فيما أوحاه الله إليه، إذ لو كان للعقل فيه بعض اتهام، لبطل الاحتجاج به.
قوله: (رد لقولهم أن ما أتى به من القرآن شعر) أي وحينئذ فيصير المعنى: ليس القرآن بشعر، لأن الشعر كلام مزخرف موزون مقفى قصداً مبني على خيالات وأوهام واهية، وأين ذلك من القرآن العزيز، الذي تنزه عن مماثلة كلام البشر.
قوله: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي لا يصح ولا يليق منه، لأن الشعر شأنه الأكاذيب، وهي عليه مستحيلة، ولذا قيل: أعذبه أكذبه، فتحصل أن النبي لا ينبغي له الشعر، ولا يليق منه.
«إن قلت» : إنه تمثل بقول ابن رواحة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وأنشأ من نفسه قوله:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
وقوله:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت