إنه لشيء محزن أن نسمع عن بعض المساجد أنها لا تقام فيها صلاة الفجر لولا وجود المؤذن والإمام ، وعن معظم المساجد أنها لا يكتمل فيها صف واحد من الذين كانت تغص بهم في صلاة المغرب وهم يستعدون لقضاء سهرة الجهاد من أجل الدعوة ...
وإذا كانت هذه حال من يرتاد المسجد في بعض الأوقات ، فما هي حال من لا يرتاده أبداً ... أو لا يصلي ... أو لا يعرف الصلاة ... ؟
وزاد الأمر على هذا حينما أخذ يكفر بعضنا بعضاً ، ويفسق بعضنا بعضاً ، ويطرد بعضن ، بعضنا الآخر من رحمة الله التي وسعت كل شيء إلاَّ أنها ضاقت عند أصحاب الجباه الضيقة عن أن تسع من خالف جهلهم ...
وأما الطامة الكبرى فهي أننا عزفنا عن الدين الذي ندعو إليه ، ونقاتل من أجله ، بعزوفنا عن علومه ومعارفه ... حتى صرنا متدينين ولكننا نجهل الدين الذي نتدين به ، ودعاة ولكننا لا نعرف الدعوة التي ندعو إليها ، وزاد الأمر على هذا فتجر أنا على الفتوى من غير علم وتخبطنا فيها حتى أحللنا كثيرا مما حرم الله وأحل ، ولم يسعنا هذا فانطلق بعض الناس كالذئاب الجائعة ... ولكن لا لينهش أعداء أمته ، بل لينهش عظماءها الذين شَرُفَت بهم الأرض ، وانتشر بجهودهم الدين ، فكنا أكبر معاول الهدم لما تبقى من آثار هذه الأمة العظيمة ... فكفينا أعداءنا ما سعوا له من غاية وتسابقوا إليه من هدف .
وهكذا ينقلب الإنسان بجهله إلى أداة تدمير وإفساد ، بدلاً من أن يحقق الغاية التي من أجلها استخلف في الأرض وهي البناء والإرشاد .
تورع سلف الأمة عن الفتوى
لقد سئل الإمام مالك بن أنس عن أربعين مسألة في دين الله ، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري ، قال له السائل: ماذا أقول لقومي إذا رجعت إليهم ، وكأنه استكبر هذا القول من مالك ... !
فقال له مالك: قل لهم: إن مالك بن أنس يقول: لا أدري ...