وتوقف الإمام محمد بن إدريس الشافعي - وهو ناصر الحديث ، وواضع علم الأصول ، والجامع بين طريقتي أهل الرأي والأثر - توقف في سبع عشرة مسألة في الفقه ، فلم يرجح فيها شيئا ، لتزاحم الأدلة ، وتوارد الإحتمالات ، وقد عُد هذا من ورعه وتقواه ، فيما عُد من مناقبه .
ونهى الإمام الأجل أحمد بن حنبل - وهو أمير المؤمنين في الحديث ، يحفظ ألف ألف منه - نهى تلاميذه عن تدوين فقهه ، حتى لا يلزمهم رأيه فعسى أن يوجد فيهم من هو أفقه منه يستنبط كما استنبط ، ويفهم كما فهم .
وكانت المسألة تعرض على جمع من العلماء ، وكل منهم يحيلها على صاحبه حتى ترجع إلى الأول منهم ، يشفق كل واحد منهم من أن يتكلم بالفتوى في دين الله وهناك من هو أولى منه بها ، وخشية الخطأ فيها ، على أنهم جميعاً كانوا حفاظاً للحديث ، أرباباً للفكر ، أئمة في علوم الشرع .
بل كانوا سراً من أسرار الله في هذا الدين العظيم ، بذلوا من أجله حياتهم ، واستنفدوا في سبيله طاقتهم ، فحفظه الله بهم ، تحقيقاً لوعده ، وإمضاءً لأمره ، ولولاهم لكنا اليوم في جهل كامل بديننا.
فجزاهم الله عنا أحسن الجزاء ، وأحسن إليهم ، إذ نقلوا إلينا هذا الدين أصولاً وفروعاً ، نصوصاً واستنباطاً ، دون أن يكون لهم من أجر سوى ما أمّلوه من رحمة ربهم ، ونعم الأجر والثواب .