انقلاب الموازين العلمية
ودالت دولة الفقه والفقهاء ، وزالت معالم العلم والعلماء ، وأقصي شرع الله عن واقع الحياة ، وغيرت مناهج التعليم في الأمة ، حتى صار الطالب يتخرج من الجامعة وهو لا يلم بلغة دينه وقومه ، ولا يعرف عن تاريخ أمته جزءاً مما يعرفه عن تاريخ عدوه ، وصار يعرف الكثير عن مشاهير الغرب والشرق ، ولكنه لا يعرف القليل عن مشاهير المسلمين ، الذين شرف الوجود بهم ، وتعدت علومهم وآثارهم لكل أمم الأرض علاوة عن أمتهم حتى صاروا كالأساطير في أحاديث البشر ، وكانوا للعالم عبرة من العبر ، وهكذا قلت المعرفة ، وفشا الجهل ، وظهر الغرور ، واتبع الهوى .
فغيرت المعايير ، وبدلت الموازين ، فَأْتمن الخائن ، وخُوِّنَ الأمين ، وسُئِلَ الجاهل ، وتُرِكَ العالم ، يفتي الفقيه فلا تقبل فتواه ، ويتنطع الجاهل فيتسابق أمثاله في هواه ... يَضِل ويُضِل .
ضابط المحدث والفقيه بين الأمس واليوم
لقد صار الإنسان يسمى محدث الديار ، وعالم الأمة ، وإمام الأئمة ، ومجدد الدين ، والفقيه الملهم ، إذا حفظ على الناس بضعة أحاديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، يموه بها على الناس ، فيكسو الحقَّ ثوب الباطل ، والباطل ثوب الحق .
بينما كان الإنسان في عصور العلم الذهبية لا يسمى محدثاً - مع أنه قرأ البخاري ، ومسلماً ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، ومسند أحمد ، البيهقي - إلاَّ إذا ولج الجمل في سم الخياط ، كما قاله الإمام تاج الدين السبكي في كتابه"معيد النعم ومبيد النقم".