ثم أخبر عن إخبار إمضاء قضائه على أنبيائه وأوليائه، وبقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} [سبأ: 14] يشير إلى كمال قدرته وحكمته أنه هو الذي سخر الجن والإنس لمخلوق واحد مثلهم، وهم الألوف الكثيرة والوحوش والطيور، ثم قضى عليه الموت وجعلهم مسخرين لجثة بلا روح، وبحكمته جعل دابة الأرض حيواناً ضعيفاً مثلها دليلاً لهذه الألوف الكثيرة ومن الجن والإنس يدلهم على علم ما لم يعلموا بفعلها، وفيه أيضاً إشارة أنه تعالى جعل فعلها سبباً لإيمان أمة عظيمة وبيان حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب لقوله: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} [سبأ: 14] أي: حال الجن {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14] وفيه إشارة أخرى أن نبيين من الأنبياء اتكئا على عصوين وهما موسى وسليمان عليهما السلام، فلما قال موسى {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] قال ربه {أَلْقِهَا} [طه: 19] فلما ألقاها جعلها ثعباناً مبيناً يعني من اتكأ على غير فضل الله ورحمته يكون متكأه ثعباه، ولما اتكأ سليمان على عصاه في قيام ملكه بها فاستمسك بعث الله أضعف دابة وأخسها لإبطال متكئه ومستمسكه ليعلم أن من قام بغيره زال بزواله، وإن كل متمسك غير الله طاغوت من الطواغيت {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] .