51 -ثم بين أنهم بعد أن يموتوا ينفخ في الصور النفخة الثانية نفخة البعث من القبور، فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} ؛ أي: ينفخ في الصور. وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع. والنفخ: نفخ الريح في الشيء. وقرأ الجمهور {الصور} بإسكان الواو. وفيه وجهان:
أحدهما: أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وفيه بعدد كل روح ثقبة هي مقامه. والمعنى حينئذٍ: ونفخ في القرن نفخًا، هو سبب لحياة الموتى.
وثانيهما: أنه جمع صورة كصوف جمع صوفة، ويؤيد هذا الوجه قراءة الأعرج {ونفخ في الصوَر} بفتح الواو. فالمعنى عليه: ونفخ في الصور الأرواح، وذلك أيضًا بنفخ القرن.
والمراد: النفخة الثانية، التي يحيي الله بها كل ميت، لا النفخة الأولى التي يميت الله بها كل حي. وبينهما أربعون سنة، تبقى الأرض على حالها مستريحة بعدما مر بها من الأهوال العظام والزلازل، وتمطر سماؤها، وتجري مياهها، وتطعم أشجارها، ولا حي على ظهرها من المخلوقات، فإذا مضى بين النفختين أربعون عامًا، أمطر الله من تحت العرش ماءً غليظًا، كمني الرجال، يقال له: ماء الحيوان، فتنبت أجسامهم كما ينبت البقل، وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب، فإنه يبقي مثل عين الجرادة، لا يدركه الطرف، فينشأ الخلق من ذلك، وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في شعاع الشمس. فإذا تكاملت الأجساد، يحيي الله تعالى إسرافيل، فينفخ في الصور، فيطير كل روح إلى جسده، ثم ينشق عنه القبر.
{فَإِذا هُمْ} بغتة من غير لبث؛ أي: الكفار، كما دل عليه ما بعد الآية {مِنَ الْأَجْداثِ} ؛ أي: من القبور.
فإن قيل: أين يكون في ذلك الوقت الأجداث، وقد زلزلت الصيحة الجبال؟