{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) }
قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف: 26] وأوضحنا فيه التفصيل بين النظم الوضعية، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] .
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)
قوله: {جِبِلاًّ كَثِيراً} . أي خلقاً كثيراً كقوله تعالى: {واتقوا الذي خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين} [الشعراء: 184] ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الشيطان أضل خلقاً كثيراً من بني آدم جاء مذكوراً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس} [الأنعام: 128] أي قد استكثرتم أيها الشياطين، من إضلال الإنس، وقد قال إبليس: لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً، وقد بيّن تعالى أن هذا الظن الذي ظنه بهم من أنه يضلهم جميعاً إلا القليل، صدقه عليهم، وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين} [سبأ: 20] كما تقدّم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف نافع وعاصم: {جِبِلاًّ} بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي: {جِبِلاًّ} بضم الجيم، والباء وتخفيف اللام، وقرأه أبو عمرو وابن عامر: (جُبْلاً) بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام، وجميع القراءات بمعنى واحد أي خلقاً كثيراً.