وقال المؤيد بالله:
سورة الصافات
(لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ(47)
وقد يظن الظان أن تقديم الظرف إنما يكون مقصورا على الاختصاص، وليس الأمر كما ظنه كما حققناه، بل كما يحتمل المشاكلة كما أشرنا إليه فهو يحتمل الاختصاص، فهما محتملان كما ترى، والتحكم بأحدهما لا وجه له، وأما إذا كان واردا في النفي فقد يرد مقدما، وقد يرد مؤخرا، فإذا ورد مؤخرا أفاد النفي مطلقا من غير تفصيل، وهذا كقوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ) [سورة البقرة: 2] فإنه قصد أنه لا يلصق به الريب ولا يخالطه، لأن النفي التصق بالريب نفسه، فلا جرم كان منتفيا من أصله، بخلاف ما لو قدم الظرف فإنه يفيد أنه مخالف لغيره من الكتب فإنه ليس فيه ريب، بل في غيره كما لو قلت: لا عيب في هذا السيف، فإنه نفي العيب عنه على جهة الإطلاق، بخلاف ما لو قلت: هذا السيف لا فيه عيب، ولهذا أخره ههنا وقدمه في قوله تعالى: (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ(47) [سورة الصافات: 47] لأن القصد ههنا تفضيلها على غيرها من خمور الدنيا والمعنى أنه ليس فيها ما في غيرها من الغول، وهو الخمار الذي يصدع الرءوس، أو يريد أنها لا تغتالهم بإذهاب عقولهم كما في خمور الدنيا (وَلا يُنْزِفُونَ(19) [سورة الواقعة: 19] أي لا يسكرون، من الإنزاف وهو السكر.
(كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ(49)
شبههن بالبيض في بياضه ورقته ولطافته، فهذه استعارة مقدرة بتقدير طرح أداة التشبيه فتكون استعارة محققة، كما أن كل ما كان من الاستعارة يطوى فيه ذكر المشبه فهو من التشبيه المقدر كقولك: رأيت أسدا، ولقيني أسد، كما مر بيانه. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...