قوله تبارك وتعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ ...(28)
أورد الفخر سؤالين:
الأول: لم قال من السماء مع أن الإنزال كله معلوم أنه من السماء؟ إذ لَا يكون إلا من فوق إلى أسفل؟ وأجيب بوجهين:
الأول: أنه قصد التعظيم والتشريف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بذكر لفظ السماء التي هي من أشرف المخلوقات وأعظمها.
الثاني: أن المراد السماء المعهودة، والإنزال إنما يتناول ما كان فوق إلى أسفل بالإطلاق.
السؤال الثاني: ذكر الفاعل هنا.
وقال: قبل (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) ، فحذف الفاعل، وجوابه: أن تلك في حبيب النجار، وهذه في حبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ابن عطية: عن ابن مسعود: أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك انتهى، يوم أن غيرهم احتيج إلى ذلك فيه وهو باطل، ومذهبنا أن قدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض كقدرته على خلق الذرة، وليس بينهما تفاوت أصلا، فلذا كان كلام الزمخشري هنا أحسن.
وأورد الزمخشري هنا سؤالا هو: ما الفائدة في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ؟ مع أنه أغنى عنه قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ) ، وأجاب: بأن معناه ما كان يصح في حكمنا أن ننزل إهلاك قوم حبيب بجند من السماء بناء على ما تقتضيه الحكمة وأوجبته المصلحة، وهو بناء على مذهبه الفاسد، وهل هو راجع إلى قاعدة التحسين والتقبيح أو لقاعدة تعليل أفعال الله تعالى؟ وهو الظاهر؛ لأن الأولى إنما يكون غالبا في الأمور الشرعية، وهذا أمر فعلي فهم يقولون: إنه يفعل للغرض، ونحن نقول: يفعل بما يشاء، ويحكم ما يريد لَا لأغراض؛ لأن ذلك إنما يكون من العاجز؛ فيفعل الأسباب الموجبة للغرض.
ولم يذكر الطيبي هنا شيئا فيبطل الجواب على مذهبنا، ويبقى السؤال واردا، فيجاب عنه بوجهين:
الأول: أن النفي في قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا) ، دخل على أخص مقيد، بقوله تعالى: (مِنَ السَّمَاء) ، وهو أعم وفي (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ، دخل على الأعم فهو أخص.