وجمع وحذف هنا بقوله: {وَرَبُّ الْمَشارِقِ} ، لأنه أراد جميع مشارق السنة، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف، وخص ما هنا بالجمع، موافقة للجموع أول السورة، وبالحذف مناسبة للزينة في قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) } . إذ الزينة إنما تكون غالبًا بالضياء والنور، وهما ينشآن من المشرق لا من المغرب. وخص ما في الرحمن بالتثنية، موافقة للتثنية في {يَسْجُدانِ} ، وفي {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} ، وبذكر المتقابلين مقابلة، لبسط صفاته تعالى وإنعامه. ثم خص ما في المعارج بالجمع، موافقة للجمع قبله وبعده، وبذكر المتقابلين موافقةً لكثرة التأكيد في القسم وجوابه. وخص ما في المزمل بالإفراد موافقة لما قبله من إفراد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما بعده من إفراد ذكر الله تعالى، وبذكر المتقابلين موافقة للحصر في قوله: {لا إِلهَ إِلَّا هُوَ} ، ولبسط أوامر الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - .
{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) }
فإن قلت: لم خص سماء الدنيا بزينة الكواكب، مع أن بقية السماوات مزينة بذلك.
قلت: لأنا إنما نرى سماء الدنيا دون غيرها.
وفي الآية: إشارة إلى أن الزينة التي تدرك بالبصر يعرفها الخاصة والعامة، وإلى الزينة التي يختص بمعرفتها الخاصة، وذلك إحكامها وسيرها. والكواكب معلقة في السماء كالقناديل، أو مكوكبة عليها كالمسامير على الأبواب والصناديق.
وكون الكواكب زينة للسماء الدنيا، لا يقتضي كونها مركوزة في السماء الدنيا، ولا ينافي كون بعضها مركوزة فيما فوقها من السماوات؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة وأجرامًا صافية، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو في سماوات أخرى، فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا، وتلوح منها. فتكون سماء الدنيا مزينة بالكواكب.
{وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) }
فإن قلت: تقدم أن الكواكب ثابتة في السماء أو في العرش زينة، ومقتضى كونها رجوما للشياطين أنها تنفصل وتزول، فكيف الجمع بين ذلك؟
أجيب: بأنه ليس المراد: أن الشياطين بذات الكواكب ترمى، بل تنفصل منها شهب تنزل على الشياطين والكواكب باقية بحالها.
إن قلت: إذا كان الشياطين خلقوا من النار فكيف يحترقون؟
أجيب: بأن الأقوى يحرق الأضعف، كالحديد يقطع بعضه بعضًا.