الظنابيب: جمع ظنبوب وهو ظاهر الساق أو عَظْمه، فالمعنى الواضح القريب هنا أن بين صارخ وصراخ جناسًا"اشتقاق"، ولكن مع هذا فإنك لو أمعنتَ النظر تجد أن معنى صارخ هنا يدل على معنى يتضاد مع معنى صراخ؛ ذلك أن معنى البيت: كنا إذا ما أتانا مستغيث فزعًا، أسرعنا في إجابته، قال ابن منظور: ويُقال: عنَى بذلك سرعة الإجابة، وجعل قرع الصوت على ساق الخف في زجر الفرس قرعًا للظنبوب، وقيل: قرع الظنبوب أن يقرع الرجل ظنبوب راحلته بعصاه إذا أناخها؛ ليركبها ركوب المسرع إلى الشيء، والصارخ إذن هو طالب الإغاثة، والصراخ هو الإسراع في إغاثته، وإجابة ندائه، فبينهما طباق معنوي لا يتبينه الناظر بيسر وسهولة.
ومن ذلك قول الفرزدق:
فلما رأى الحجاج جرد سيفه ... أصر الحروري الذي كان أضمرا
فالذي يبدو أن الذي بين أصر وأضمرا هنا ترادفًا، ولكن الحقيقة أن بينهما طباقًا خفيًّا؛ لأنه ليس معنى أصر هنا أخفى أو أضمر، وإنما معناه أعلن، وهذا من الأضداد، وبهذا يكون بين معنيي الكلمتين تضاد، ولكنه تضاد لا يظهر لصاحب النظرة العجلى.
ومن أخفى الطباق قول الصاحب في وصف أخوين أحدهما مليح والآخر قبيح - يحيى أحد الأخوين -:
يحيى حكى المحيا ولكن ... له أخ حكى وجه أبي يحيا
فأبوا يحيى كناية عن ملك الموت، والمحيا يعني به الحياة، ووجه أبي يحيى الذي يُكنى به عن ملك الموت يُفهم منه الموت؛ لأنه ملازم له، ومتى حضر ملك الموت فقد حضر الموت معه، ومن هنا حدث تضاد خفي بين المحيا وبين أبي يحيى، وهذا التضاد خفيٌّ جدًّا؛ لأنه لا يُتبين إلا بعد كدّ الذهن وإنعام النظر، ومن الطباق الخفي ما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش والبخل، ويخوّن الأمين ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول وتظهر التحوت، قالوا: يا رسول الله، وما الوعول؟ وما التحوت؟ قال: الوعول وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يُعلم بهم ) ).
وقد وضح هنا بعد تفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكلمتي وعول وتحوت أن بين معنييهما تضادًّا، ولم يكن أصحابه - رضوان الله عليهم - وهم من هم فصاحة يعلمون معنى الكلمتين، ولم يعرفوا تبعًا لذلك إن كان بين معنييهما تضاد في المعنى أم لا.
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) }