وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ: {تَنْزِيلَ} نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} لِأَنَّ الْإِرْسَالَ إِنَّمَا هُوَعَنِ التَّنْزِيلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَمُنَزَّلُ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ حَقًّا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. الصَّوَابَ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يَا مُحَمَّدُ إِرْسَالَ الرَّبِّ الْعَزِيزِ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ، الرَّحِيمِ بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ، وَأَنَابَ مِنْ كُفْرِهِ وَفُسُوقِهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى سَالِفِ جُرْمِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ لَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَنْذَرَ اللَّهُ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ.
عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} قَالَ:"قَدْ أُنْذِرُوا."
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَنْذَرَ آبَاؤُهُمْ.
عَنْ قَتَادَةَ:"قَالَ بَعْضُهُمْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ مِنْ إِنْذَارِ النَّاسِ قَبْلَهُمْ."
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ: أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةُ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ، حَتَّى جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.