ولَمَّا ذكر افتقارم إلى نعمة الإيجاد، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد، بقوله: {إِن يشأ يُذهبكم} أي: إن يشأ يُفنيكم كلكم، ويردكم إلى العدم؛ فإنَّ غناه بذاته، لا بكم، {ويأتِ بخلقٍ جديدٍ} يكون أطوع منكم، أو بعالَم آخر غير ما تعرفون. {وما ذلك} أي: الإفناء والإنشاء {على الله بعزيز} بممتنع. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم مَن يعبده، لا يشرك به شيئاً. قال القشيري: فقر الخِلْقَة عام لكلِّ أحدٍ، في أول حال وجوده؛ ليُبديه وينْشيه، وفي ثاني حال بقائه؛ ليُديمَه ويُبقيَه. انتهى.
قلت: وإليه أشار في الحِكَم بقوله: «نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل موجود منهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أنعم أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد» .
الإشارة: الفقر على أربعة أقسام: فقر من الدين، وفقر من اليقين، وفقر من المال، وفقر مما سوى الله. فالأولان مذمومان، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع، ومنهما وقع التعوُّذ في الحديث. والثالث: إن صحبه الرضا فممدوح، وفيه وردت الأحاديث النبوية، وإلاَّ فمذموم، ويشمله التعوُّذ في الحديث. الرابع: هو مطلب القاصدين والعارفين، وهو الغيبة عما سوى الله، والغنى بالله، كما قال الشيخ أبو الحسن: «أسألك الفقر عما سواك، والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك» وهو ينشأ عن التحقُّق بالفقر ظاهراً وباطناً؛ لأن الفقر من وصف العبد، والغنى من وصف الرب، فمَن تحقق بوصفه أمدّه الله بوصفه، «تحقق بوصفك يُمدك بوصفه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بذلك يمدك بعزه» .