وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في هذا الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة - أي: من مكان بعيد -، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه ... ».
وقوله - سبحانه - وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي: قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق، والحال أنهم قد كفروا به من قبل في الدنيا، عند ما دعاهم إلى الإيمان به رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وقوله - تعالى: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ بيان لما كانوا عليه في الدنيا من سفاهة في القول، وجرأة في النطق بالباطل، وفيما لا علم لهم به.
والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه: هو يقذف ويرجم بالغيب، والجملة الكريمة معطوفة على قوله: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ.
أي: لقد كفروا بهذا الدين في الدنيا، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة. فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك، ويقولون في الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنه ساحر ... ، وفي شأن البعث: إنه لا حقيقة له، وفي شأن القرآن: إنه أساطير الأولين.
فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال:
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ.
وقوله حِيلَ فعل مبنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز. تقول حال الموج بيني وبين فلان. أي: منعني من الوصول إليه، ومنه قوله - تعالى: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ.
أي: وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ويتمنون من قبول إيمانهم في هذا اليوم، أو من العفو عنهم في هذا اليوم، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا .. حيل بينهم وبين كل ذلك، كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أي: كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم في الكفر.
إِنَّهُمْ كانُوا جميعا على نمط واحد فِي شَكٍّ من أمر هذا الدين مُرِيبٍ أي: موقع في الريبة. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 11/ 306 - 312} ...