وقال ابن عباس: «لقد جاء الإسلام ورأس الكبش بقرنيه في الحرم.
وقد تبين أنه دخل في الحرم ويزيد، أن إراقة دماء الهدي إنما صارت سنة موروثة في الأرض المقدسة.
فعلمنا أن أصل ذلك إنما كان ذبح إبراهيم، كما كانت سائر المناسك من إرث إبراهيم وابنه الذي كان بالحرم إسماعيل.
وأيضاً فإن الملائكة الذين بشروا سارة بالولد بشروها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب.
واعتقد إبراهيم أن ذلك كان لأن وعد الله حق.
فلو أمر الله تعالى بذبح إسحاق قبل أن يولد له يعقوب، إلى أن يعتقد أن يعقوب غير كائن من إسحاق.
واعتقاد ذلك اعتقاد الخلف من خبر الله تعالى، ولا يليق اعتقاد ذلك بأنبياء الله.
فصح أن الكلام لم يكن بإسحاق، وإنما كان بإسماعيل.
فإن قيل: قد بشر إبراهيم بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ولكنه الخبر أن يعقوب كائن من إسحاق.
فلعله لما بشر به ظن أنه كائن له من صلبه.
فلما أمر بذبح إسحاق لم يحتج إلى اعتقاد الخلف في خبر الله تعالى.
قيل: إن الرجل لا يكون وراء ابن آخر، لأنهما جميعاً لصلبه ينسبان إليه نسبة واحدة، وإنما يكون ابن الابن وراء الابن لأنه لا ينسب إليه إلا بعد أن ينسب إلى الابن، فيكون ابن الصلب هو الذي يليه، ثم ابنه من ورائه.
فلما بشر إبراهيم بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقد بين أن يعقوب كان من إسحاق.
وأما ما رواه المحتج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال لصفية، فإن ثبت فقد يخرج أنهما افتخرا عليها بأنهما من قريش، وأن قريشاً ذروة الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إن كان افتخارهما بالكفار ومن آبائهما، فأنت أحق بالفخر، لأن أباك هارون وعمك موسى فإنهما نبيان» .
والمفاضلة إذا كانت بين الأبناء ثم كانت في آباء أحد المتفاخرين نبي، فلم يكن في الآباء الآخرين وجه ذلك النبي من النسب إلا أب كافر لم يشكل على ذي عقل، أن عدو الله لا يعدل نبي الله.
فإن قيل: يقدمه عليه لآبائه الكافر، وإنما يقدمه عليه بإسماعيل، ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلّم - لصفية، إنما أبوهما إسماعيل وأبوك إسحاق.
فيكون ذلك دليلاً على ما أردت والله أعلم.